ابن بسام

144

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فرس بهيم الشية ما إن يباهي بقرحة فضلا عن شدوخ غرّة ، قد غربل أهليه أشدّ غربلة فسفسف أخلاقهم ، واجتثّ أعراقهم ، وسفّه أحلامهم ، / وخبّث ضمائرهم ، فاحتوى عليهم الجهل ، واقتطعهم الزّيف ، وأركستهم الذنوب ، ووصمتهم العيوب ، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء ، ولا على معاني الغيّ بأقوياء ، شاء من الناس هامل ، يعلّلون نفوسهم [ 1 ] بالباطل ، من أدلّ الدلائل على فرط جهلهم بشأنهم ، اغترارهم بزمانهم ، وبعادهم عن طاعة خالقهم ، ورفضهم وصيّة رسوله نبيهم عليه السلام ، وذهولهم عن النظر في عاقبة أمرهم ، وغفلتهم عن سدّ ثغرهم ، حتى لظلّ [ 2 ] عدوّهم الساعي لإطفاء نورهم يتبحبح عراص [ 3 ] ديارهم ، ويستقرئ بسائط بقاعهم ، يقطع كلّ يوم طرفا منهم ويبيد أمّة ، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم ، لهاة عن بثّهم ، ما إن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا ومحفل من محافلنا مذكّر بهم أو داع لهم ، فضلا عن نافر إليهم أو مواس [ 4 ] لهم ، حتى كأن ليسوا منّا ، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا ، قد بخلنا عليهم بالدعاء ، بخلنا بالغناء ، عجائب مغربة فاتت التقدير ، وعرضت للتغيير ، فللّه عاقبة الأمور ، وإليه المصير . قال أبو مروان [ ابن حيان ] : فلما كان عقب جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين [ بعدها ] شاع الخبر بقرطبة بارتجاع المسلمين لبربشتر [ 5 ] ، وذلك أنّ أحمد بن هود الملقّب بالمقتدر ، المفرّط فيها ، والمتّهم على أهليها لانحرافهم إلى أخيه ، صمد لها مع مدد عباد حليفه [ 6 ] ، وسعى لإصمات سوء القالة عنه ، وقد كتب / اللّه عليه منها ما لا يمحوه إلّا عفوه ، فتأهّب لقصد بربشتر ، فسار نحوها . ورجال ابن عبّاد نحو من خمسمائة فارس ، مقدّمته من شداد البرابرة وغيرهم من أبطال الأندلس ، فنزل عليها بجمعه ، فجالدوا المسلمين بباب المدينة جلادا [ 7 ] ارتاب منه كلّ جبان ، وأغرى اللّه أهل [ 51 أ ] الحفيظة والشجعان ، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر اللّه أولياءه ، وزلزل [ 8 ] أعداءه ،

--> [ 1 ] ط د س : أنفسهم . [ 2 ] ط س : أظل . [ 3 ] ب م : عراض . [ 4 ] ط د والنفح : أو ماش . [ 5 ] ط د س : برجوع المسلمين بحمد اللّه إليها . . [ 6 ] ط د س والنفح : إمداد لحليفه عباد ( ط : لخليفة ) . [ 7 ] ط د س والنفح : فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين فجالدوا الكفار بها جلادا . . . [ 8 ] د ط س والنفح : وخذل .